ARABEHISPANO.NET

الموقع العربي الإسباني

Edita:Saiid Alamiتحرير:سعيد العَلمي (مدريد Madrid)

|
ALBUM DE FOTOS | LIBRO DE VISITAS | FORO DE DEBATE | CONTACTO |
 
 


WEB

PORTADA del 12 diciembre 2011 al 25 abril 2012

الغلاف من 12 ديسمبر 2011 الى 25 أبريل 2012

Portada desde mayo 2012 a 31 diciembre de 2012
الغلاف من مايو 2012 الى آخر 2012
Portada desde inicio de enero hasta final de julio 2013

الغلاف من أول يناير إلى آخر يوليو 2013

La Portada desde agosto 2013 hasta final enero 2014

2014 الغلاف من أغسطس 2013 إلى نهاية يناير

12 octubre 2014

Abderrahim Mahmud, el poeta palestino combatiente

Por Saiid Alami

PORTADA de junio 2014 a marzo 2015

ARABSPAIN PRESS(R)-Marca Registrada nº2660578:B.O.P.I. 16/01/2006-Reservados todos los derechos

 

El Viaje de la Vida قـصـيـدة رحـلة الحـيـاة

Poema قصيدة

عــزرائـيـل

قـصة سعيد العلمي


عــزرائـيـل

قصة سعيد العلمي

"El Angel de la Muerte"

un relato en árabe de Said Alami

Imagen

فتح عبد الستار عينيه في ظلمة الليل فوجد عـزرائيل أمامه . لا يدري كـيف عرفه ، ولكنه عرفه فور أن رآه . وارتعشت فرائصه تحت الغطاء واصطكت أسنانه هلعا وهو ينظر إلى ملك الموت وجها لوجه . حاول أن يوقظ زوجته النائمة على يمينه فلم يملك حراكا . كان عزرائيل محلقا فوقه تماما . نعم . كان معلقا في الهواء في سكون عجيب

ومرت لحظات مريرة كاد الرجل فيها أن يفقد صوابه من شدة الهلع . لم يكن هلعه لمجرد أن عزرائيل هو المعلق فوقه في الهواء ... بل أيضا لهول المفاجأة التي ماخطرت له ببال قط ... فحتى لو كان المعلق فوقه هو أخوه ابن أمه وأبيه لكانت مفاجأته مرعبة بحد ذاتها ، فما بالك والشاخص ببصره إليه هو عزرائيل ، وما أدراك ما عزرائيل !!. كان الملك فوقه على ارتفاع لا يتجاوز النصف متر ، ومحياه المنير قبالة وجهه تماما . ولكن عبد الستار بدأ يشعر بعد هذه اللحظات الأولى من المفاجأة بسكينة جديدة تستقر في قلبه وتلف روحه... سكينة لم يعهدها أبدا في حياته . واستغرب الرجل أشد استغراب وتساءل في قرارة نفسه عن مصدر تلك السكينة التامة والرائعة التي ما كان ليصدق أن لها وجود لولا أنه شعر بها وهي تذيب فيه كل هاجس . وسرعان ما أدرك مصدرها وهو يثبت نظره ، دون إرادته ، في عيني عزرائيل اللتين كانتا تشعان محبة وسلاما كأنهما عيني الأمومة بعينها ... الأمومة التي تتفرع عنها كل أمومة . ياله من شعور فريد . مبارك أي حدث وسط هذا الحبور ... مبارك الموت إذا كانت هذه مقدماته . وارتجف عبد الستار من جديد إذ ذكر الموت ، وعينا الملك مازالتا مثبتتان في عينيه . كان لا يقوى على حراك أو نطق

:ولكنه نطق . وجد نفسه يقول وجلا مترددا

من أنت ؟ -

وفكر للتو أنه سؤال سخيف

:وجاءه صوت كأنما صدر من أعماقه هو ، ولم يحرك عزرائيل شفتيه اللتين ظلتا مطبقتين وعليهما ابتسامة ولا أروع

أنت -

:ولم يفهم عبد الستار ، وظن أنه لم يسمع جيدا ، فسأل مـتلعـثما

ماذا ؟ -

قـلـتُ أنـت -

يا للجـنون . كيف يقول أنه أنا وأنا أعرف يقـيـنا أنه هـو

وأراد أن يغـمض عـينيه عـلـّه يغـط بالـنوم من جـديـد . لا بـد وأنه كابوس ... لابد وأنه حلم . ولكن عـيناه ظلتا مفـتوحتان يقظتان تعانقان عـيني المَلـَـك المحلـق فـوق رأسه ، أو هكذا بدا له

:وعاد يلوك سؤاله وكأن لسانه مصاب بشلل

تقول أنـك أنا ؟ -

:وصمت لحظة فلم يتلق جوابا ، فاستأنف يقول

لـمَ لا تـقـول أنـك عـزرائـيل ؟ إنـني رجـلٌ مـؤمـن -

:وجاءه الرد نابعا من أعـماقه مرة أخرى ووَجـهُ الملاكِ لا يـُـكـدَّرُ نوره وسـط الظلام المحـيط بالسريـر

:أقول لك للمرة الثالثة أنني أنت ، وأنت تعلم سبب زيارتي هـذه . إنني لا أزور البـشر في هـذا الكوكـب إلا مرة واحدة في حـياتهم

أحان أجلي ؟ -

بلى -

وشعر الرجل أن دموعه تـسيل حـتى أذنـيه وأراد أن يـمسحها فلم تستجب له يداه . وتقلبتْ زوجـتـه في نومها حـتى أعـطته ظهرها وهو يـتمنى لو أنـها تـفـيق من سـباتها لـتمد له يد العـون . ولكن أيّ عـون يـُـرتجى منها في موقـف الختام هـذا . كان يتمنى لو أن أحدا يـنقـذه من عـزرائيل ولكنه كان في الوقـت نفسه يشعـر بوئام تجاه الملاك يكاد يكون الـتحاما

:وجاءه الصوت من جديد والوجه المنير قابع فوق عينيه ، دون أن تتحرك شفتاه

أيـبكـيـكَ فـراق الـدنيا ؟ أم يبكـيك فـراق نفـسك ؟ -

بل فراق أحـبتي وكل ما ألـِـفـتـُه طيلة سنوات حـياتي . نفـسُ الشعـور الذي اعـتراني عـندما انـتـقـلـتُ من بيت إلى بيت جديد ومن مدينة إلى مدينة أخرى أجهلها -

هي كـذلك . رحلة من عالـم إلى عالـم . فلا تخـفْ -

لست بخائف. إنني رجلٌ مؤمن بالله . كل الناس تموت ... وكل الحـيوان ... كل نـفـس تـموت ... منـذ ملايين السنين والبشر تـموت حـتى لـيـبدو أن الموت هو أسهل فعـل يقـوم به الإنسان . حتى الجـبـناء يموتون

ياله من حوار عـجـيب هـذا الذي يـدور بـيـنه وبـين ملك الموت ... كما لو كان يعرفه منذ دهـر

وتذكـّـرَ أولاده وأحـفاده ، وتـذكـّـر إخـوتـه الواحـد تلو الآخر . لم يخـطر له ببال يوما أنه سيكـون أول الأشقاء بالانتقال إلى جوار ربه وهـو ليس أكـبرهـم سـنا . وتذكر تجارته الواسعة وبـيـته الفـسيح وجاهـه وماله ورغـد العـيش الذي اعـتاده منذ نعومة أظفاره ، فلم يملك سوى أن أجـهـش باكـيا . إن فـكرة الموت لا تـُـرهـبه ولكـنه فـراق أهـله وصحـبه وحـياته الرغـيدة تـُمزِّق أحشاءه . هو يعـلـم أنه لا مرد للموت ... إن لـم يحـن الـيوم ، فغـدا . وهـو يـفـكر بالـموت منذ سـنوات ، وبإلحاح منذ أن تجاوز السبعـين من العُـمر ... كل دقـيقـة بعـد السبعـين هي محـض هـدية ... كل يوم عاشه بعـد السبعـين سـرَقـه من الزمان خِـلسه . ولكن ! ماله يشعـرُ بـتـشـبـث شديـد بالحـياة !؟

:وجاءه الصوت من جـديـد صادرا من أعـماقه هو

: تـتـشبـث بالحـياة الدنـيا ككل إنسان تحـين ساعـته . إني أرى هـذا مـنـذ بدء الخلـيـقه ، ذلك أنكم تجهلون ما بعـد الحياة

: ووجد نفسه يسارع بالـقول متلهـفا وناظرا إلى عـينيّ الملاك بوَلـَهٍ وشـوق

حبذا لو أودع الأهل والأحـبة ، وأرتـب شؤون أولادي وبناتي وزوجي قـبل رحـيلي -

ولِـمَ لمْ تفعـل ذلك من قـبل ؟ كنت تـعـلـم علـم اليقـين أنني زائرك لا محاله وأن موعـدنا أصبح وشيكا -

لا أدري -

أنت مثـل كـثيرين غـيرك... تـظن أن هـذه هي المسألة الوحيدة المعـلقة التي سـتخلفها بعـدك -

:كان الصوت يأتيه مفعـما بمحـبة لاتـضاهـيها محـبة . ولم يفهـم عـبد الستار كلامه الأخير، فسأله وجلا

ماذا تـقـصد ؟ -

.شؤون ولـدِكَ وزوجك هي التي تـقـلقـك إذ حان وقـتُ الـرحـيل . أما شؤونٌ أخرى كـثيرة تـخـصك الآن أكـثر من هـذه فـلم تخـطر بـبالك في هذه اللحظة الخـتامـية -

:وأثارت هذه الكلمات القلق في نفس الرجل وسط السكـينة التي كانت تلفه من حيث لا يدري ، فردد بلسان شعـر به ثـقـيلا يكاد لا يتـحرك

ماذا تـقـصد ؟ إنـني لا أفـهـم -

نفس الموقف يتردد كلما زرت إنسانا اجتمعت له ظروف سنك وأولادك وجاهك وما تسميه أنت بالإيمان -

كان الصوت لا يشوبه تأنيب أو تعنيف ، وكانت الكلمات تقع على سمع عبد الستار ببطء وتأن ، حتى كأنه كان يراد لها الوقت الكافي للإستقرار في القلب كلمة تلو كلمة

:وعاد الرجل يسأل ، وقد غـَـشَـتـْهُ عـشراتُ الـذكريات مـرة واحدة ، كلها واضحة كأنما كان يـراها لحظة وقـوعها

ماذا تـقـصد ، بالله عليك ؟ -

عـزرائيل لا يحاسب أحدا بل يقـبض ويمضي ، أمّا الحساب فـلصاحبه عـز وجَـل -

... ولكـنني كـنـتُ رجـلا صالحـا دوما -

:وأصابه الشك لوهلة فـتوقـف ثم اسـتـطرد يقول

باستـثـناء بعـض الزلات وبعـض الأخـطاء -

لا حاجة بك للانتظار كي ترتب شؤون بيتك ، فـهناك شـؤون كـثيرة أخرى كان عليك أن ترتبها قبل هذه الساعة ، ولم تـفعل . فـما فائـدة أن ترتـب شؤونا أخرى لم تعـد تعـنيك ؟ -

:وشعـر عـبد الستار بالرعـب يتـسلـل إلى قـلبه من جـديد ، وأحس بالهلع مقـبل عليه من كل صوب ، فـتـشبث بعـينيّ عـزرائيل مستـلهـما المزيـد من السكـيـنة والطمأنيـنة ، وسأله بلسانه الـثـقـيل

شؤون كثيرة بلا ترتيب ؟. بالله عليك ماذا تـقصد ؟. لقد قضيت معظم حياتي في أداء الصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحـججـت إلى بيت الله المرة تلو المرة وإن إيماني بالله عـميـق والناس كلها تـتحدث عن مناقـبي وشِـيـَـمي . كنت واثقا من رضا الله عـني ومن أن الجنة مآلي

إلى الجنة أو إلى غـيرها هو أمر لا يعـنيـني يا إنسان . إنما أردت لك أن تـتـذكر , ولو فعـلت لندمت وطلبت الغـفران من الرحمن الرحيم ولربما يغـفر لك في آخر لحظة من حـياتك فـتصبح أكثر قـربا من الجـنة-

ولكن ؟!! -

ليست الجـنة بمجرد الصلاة والصوم والزكاة والحج . لو كانت كذلك لكانت في متـناول كل إنسان ، ولـَـما كانت جـنة -

ووجد عـبد الستار نفسه بغـته يفهم أمورا كثيرة ، وكأنما أزيح أمام عـينيه ستار انـكشف خلفه الكـون على صورته الحـقيقية التي لا تـشبه كثيرا تلك التي اعـتادها عـموم البشر في مجـتمعه . وسالت دموعه وهو في خضم استـرحام واستـلهام عـميقـيـن . وظل ينظر للملاك المحلق فوقه منيرا ، إلى أن تمتم قائلا

أوَضاعـت حـياتي سـدى ؟ -

الله يغـفـر لمن يشاء من عـباده -

ومرت في ذهن الرجل حكايات عـمر بكامله ، خـمسة وسبعـون عاما . وتجسد في خياله فجأة وجـْهُ أبـيه فـوَجهُ أمِّه . وتـذكر كل ما كان منه تـجاههما من جـحود حـتى توفـيا الواحد تـلو الآخـر وهو بعـد في الـثلاثيـنات من العـمر . وشعَـرَ بانفجار يكاد يدوي في حـلقه من شـدة المرارة . وتراءت له وجـوهُ أناس آخـريـن من أهـله ظـلمهـم منـذ سـنين طـويـلـة وغـَـيّـبـت القـبور أو السـنون وجـوهَ بعـضهم بـيـنما ما زال البعـضُ الآخر منهـم يكنٌّ له الضغـينة . ونـدَت عـنهُ محاولة صرخة كأنه يناديـهـم ... إنه لم يعـبأ بهـم منذ سـنوات طويلـة

:وجاءه الصوتُ والمـلاكُ لم تـتحرك شفـتاهُ قـط ولم تـزُل عـنهما الإبـتسامة العـطوف

ها قـد بدأتَ تـتـذكـّـر ودموعـك كأنها تغـسلُ نـفـسـك وتـطهرها ... تابع ... لا تـتوقـف -

... ولكـنـني إنـسانٌ مستـقـيـم ، لم أرتـكـب فاحـشـة -

:ولكنه توقف ثم ردد بلسان الصدق الذي اكتسبه مذ تبدى له ملك الموت

أقصد أنني لم أرتكـب فاحـشة منـذ سـنوات كـثيرة . كنت على يـقـين من أن صلـواتي وصيامي وحجّي وزكاتي تعـيـدني طاهـرا كـيوم وُلـدت -

الله يغـفـر لـمن يشاء . جاهـك الدنـيـوي كـبـير ومالك كـثـير ، أيّ تـضحـية كانت بالنسبة لك أن تـُخـرجَ الزكاة أو أن تـحُـجّ إلى الـبيتِ الحـرام ؟. ملايـينٌ لا حـصرَ لها من الـبـَـشر لمْ يحـجوا... أيعـني ذلك أن مصيـرهم جـميعا جهـنـم ؟ -

الحق أنها ما كانـت من تـضحـيات تـُـذكر، والحـق أنـني كـنت أتـباهى أمام الناس كلما عـدتُ من مكـة المكرمة . الحق أنها كانت حجات لإرضاء ذاتي بـقـدر ما كانـت لـوجهِ الله تعالى -

هناك من البشر من يحجـون ولا يسمع أحد بحجهم إلا صُدفة ، وهـناك متـصدقـون لا يعـلم أحـد بصدقاتهم ومصلـّـون لا يتحدثون عن صلاتهم . العـبادة من أجل المعـبود ومن أجل نصرة الخـير هي وحدها العـبادة-

أما أنا فكـنت دائم الحديـث عـن صلاتي وصومي وزكاتي . يا للعار -

وحضره فجأة محيا صديق له طمرت ذكراه السنوات. وتذكـّـر كل الأذى الذي أنزله به عامـدا متعـمدا لمجـرد أن ذلك الصديق وبخه ذات يوم ، قـبل سـنوات تـتجاوز الأربعـين، وفي جـلسة لم تـضم سواهـما، لتـقاعـسه عن العـمل الوطـني ولعـدم اكـتراثه بما حلّ بالـوطن من ويلات على يـد المحـتل. وانهمرت دموع عـبد الستار من جـديد وهـو يردد كأنما يحدث نفسه

كان بمثابة أخ بالنسبة لي . لمَ ألحـقـتُ به كل ذلك الأذى؟!. ترى ماهي أخباره اليوم؟ أحيّ هو أم ميت؟. كان وطنيا ملـتحما بالشعـب كأنه ضميره الواعي ... وطني وشعـبيَ الـذين ما الـتـفـتُّ إليهـما يوما رغم كل مانزل بهـما من- لـم ومهانة وتنكيل على مرآى مني ، يوما بعـد يوم ، وسـنة بعـد سـنة

:وأخـذ عـبد الستار يـصيحُ بفؤاد موجوع في خـضمِّ صحوة الضمـير التي كانت تجـتاحه

يا للعار ... يا للعار . ما الذي فعلـته كل هذه السنـيـن !!-

:وجاءه الصوت يحـثه على سـبر المزيد من أغـوار الذاكرة

ما أصـدق هذه الدموع . لعل فـيها المنفـذ -

وتعاقـبت في مخـيلة الرجل صور رجال ونساء وأطفال. وحكايات عمر طويل بأكمله. فـبكى حـتى ظن أن وسادته قـد تـخضـبت بالدموع. حتى أصغـر الأمور تـذكرها ... وإذا به يرى طوابـيرا من الناس تمرّ من أمامه ... وتأمل وجوههم وشاهد عـيونهم تحملق به. عـرفهم جميعا رغـم أن بعـضهم لم يلـتقه إلا للحظة وربما لم يتبادل معه سوى كلمة أو إثـنـتـين ... كانوا جميعا أناسا نهرهم لسبب أو لآخر أو ردهـم مخـذولين إذ لجأوا إليه يطلبون العـون ... كم من البشر نهـرتُ وخـذلــتُ منـذ مطلع شـبابي!! يا إلهي ما أكــثرهم ، ويا لنظرة الاشمئزاز هذه التي يرموني بها

وما أن توارى الطابور الأول عن نظره حتى مرت أمامه طوابير جـديـدة من رجال ألحق بهم الضرر في معـترك حياته التجارية فـتسبب لهذا بخسائر ولذاك بالإفلاس ولثالث بسوء السمعة ، وهلم جرا ... وكان كل منهم يجر وراءه في الطابور زوجه وعـياله. وهاله المنظر وروّعَـه . لكن سرعان ما تبدى له طابور آخر ، يتألف من رجال وظفهم في تجارته ثم طردهم لسبب أو لآخر ... وكل تـتـبعُه زوجـته وأطفالـُه. ومرت أمامه جماعات أخرى من الناس، رجالٌ ونساء، مِـمـّـن اشتروا منه سلعا وتضرروا منها بشكل أو بآخر ، وجـماعات دفع أفرادَها له أثـمانا باهـظة لقاءَ مشتريات جنى فيها أرباحا لايقـرُّها دين ولا خـُلق ، وجماعات من أشخاص عـرفهم في سني حياته ، منذ صباه ، فاستغابهـم ونهـش أعـراضهم وطعن بهم في سياق ثرثرات طالما ملأ بها أوقات فراغـه. وما هي إلا ومرّ به طابور جـديد ، كله من الـنـساء ممن نال وطره منهن أو أقام معهن علاقة محدودة أو طاردهن أو اشتهاهن أو رمقهن بنظرات سرية أودعها النزق من شبقه . تعـرف على كل الوجوه في كل الطوابير والجماعات ، ورماه كل رجالها ونسائها وأطفالها بنظرات الازدراء والإشفاق واللوم والحنق . لم يكن يوما ليتصور أنه قادر على تذكر كل تلك الوجوه وتذكر المواقف الـتي عرفها فـيها. وهاله هذا العدد من الناس الناقـمـين علـيه ... ما خطر بباله قـط أن جوهـر حـياته كان عـلى هـذه الـدرجة من الإخـتلاف عـن رأيـه بنفـسه وعن رأي كـثير من الناس به. كان يعـتـقـد أن ماضيه قـد أصـبح في عـداد العـدم بعـد كل صلواته وصومه وزكاته وحجه الذين ملأ بهم العـقـدين الأخيرين من حـياته ... صحـيح أنه يواظـب على الصلاة والصوم مـنـذ نعـومة أظـفاره ، إلا أنها كانت حقبة مترعة بالحـياة والمزالق تلك التي امـتـدت حتى ما بعـد الخـمسـين من عـمره

.لم تكن دموعه قد انقطعت لحـظة ، ولكـنه كان يبكي بصمت واستسلام وقد تـشـبث طيلة الوقت بعـيـني ملاك الموت يستمد منهما الثبات ورباطة الجأش ، بينما كان الملاك يحـتـضنه بنظرة الرأفـة وما لبث الشيخ أن فغـر فـاه دهـشة إذ رآى أمام عـيـنـيه عـدد لا يحـصى من الوجوه ذات السمات الواحـدة التي لا إختلاف بينها . ولم يفهم . كانت الوجوه تـنـظر إليه غاضبة مكشرة ، حتى اقـشعّـر بـدنـه لرؤياها ، فسأل وقد بدأ عـقـله يزوغ :

من هؤلاء ؟ -

:فجاءه الصوت رخـيما مواسـيا

إنها ساعات من حـياتـك -

ساعات من حـياتي ؟ -

إنها ناقـمة علـيـك لأنـك أهـدرتها بلا فائـدة لـك ولا لغـيرك-

ماذا ؟ هل ضيعـت أنا كل هذه الساعات من عـمري !! -

نعـم ... كل هذه ... آلاف من الساعات مهدورة في أمور تافهة وأحاديث فارغة ، بل وبانزال الضرر بالغـير من حـيث كنت تعلم أو لا تعلم ، أو بارتكاب المعاصي -

ألهذه الدرجة ؟!-

ما الحياة إلا ساعات معدودة يا إنسان ، محسوبة عليك جميعها ، وتسأل عـنها واحدة واحدة. إنـك تـناشـدني الآن مهـلة قـصيرة لترتيب شؤون بيـتـك قـبل الـرحـيل وتـنسى أنـك أهـدرت كل الساعات التي تـشاهدها أمام عـيـنـيـك -

كان لا يحـيد بـبصره عن طلعة عزرائيل البهـية وكان يرى كل الوجوه وكل الذكريات دون حاجـة لأن يحوِّل نظره عن الـمُحـيا الماثـل فوقـه بنوره الأخـّاذ -

وما هي إلا ولاحـت له آلاف أخرى من الوجـوه ... كلها ذات قـسمات واحـدة ... كلها بدت معـنفة له وحاقـدة عليه . وروّعـه المنظر أكـثر مما سـبق . وكان قـد ظـن لوهلة أن الطوابـير انـتهت وأن ذنوبه انـتهت معها فإذ بها تـظهر له من جـديد حـتى بدت نهـرا دفـّاقا لا نهاية له فـتمـنىّ الموت للـتـوِّ واللحـظة إذ لـم يـعـد يـطـيق كل هـذه الـذكريات والشـواهـد. فـمَـن هـم الآن أعـضاء هـذا الجـمع الغـفـيـر من الوجـوه !... ما الـذي تـبـقى بعـد الساعات المهدورة والأيام الضائعة من العمر ؟! وسأل مـبـتـهلا بلـسان ثــقيل

ما هذه الوجوه وما بها ناقـمة عليّ؟ -

كل وجه منها يا ابن آدم هو قـرش صرفـته في غـير فائدة لك ولا لأهـلِك ولا لقـومِك ولا لأيِّ فـقـير على وجه الأرض -

يا للهول !! أكلُّ هذه أموال ضيـّعـتـُها أنا !؟. أكلُّ هـذه الـوجـوه أيضا سـتكونُ شهـودا عليّ تقـفُ حائـلا بيني وبين الجنة؟! -

:ولم يأته من جواب ، بل أن وجوها جديدة لا عـدّ لها ظهـرت أمام عـيـنـيـْه بغـتة ، فأسقِـط في يده إذ رآها كلها تـرمُقـهُ بعـيونٍ مُحـمَـرّةٍ غاضـبة ، فأجهـش باكيا وهـو يصيح

كفى . كفى . أتوسلُ إلـيك.إقـبض روحي وابعـد عـني هـذه الوجـوه -

:وجاءه الصوت الرخـيـم يحـدثـه وعـينا عزرائيل تحـتـضـنـه إحـتـضانا

هـذ أيـضا قـروش، لكنها تلك التي حـصلـت علـيها بـدون حـق في تجارتـك وطـيلة حـياتـك-

أنا ؟ كيف ؟ -

طبعا أنت ، كان هـمك الوحـيد الربـح فـلـم تـرحـم أحـدا جاءك مشتـريا ، مهـما كان فـقـيـرا -

يا إلهي ! -

لكن معاناة عـبد الستار لـم تـنـتـهِ عـند هـذا الحـد، ولولا عـينيِّ الملاك ونوره الذي لم يكن يكـف عن بث السكيـنة في قلبه لجن جنونه. فـقـد احـتـشدت أمام ناظريه من جـديد وجـوهٌ أخـرى لاحـصر لها ، كلها بيضاء لا ملامح لها، وكانت جمـيعها تـبث في نفسه، من حيث لا يدري، نـدما وحـسرة. ونظـر إلـيها بعـيـنيـْن زائغـتـيـن وبقـلب قانـط ... ما أبعـد الجـنة عـنه ... إنه يشعـر أن بـيـنه وبيـنها أكـوان. وجاءه الـصوت نابعا من أعـماقـه هـو :

هذه هي الأعمال الخيرة التي أتيح لك أن تـنجزها وكان عملها في متـناول يدك ولكـنك أحجـمت عـنها، وتلك التي كان من واجبك أن تـفعلها ولكـنك تـقاعـست، وأخرى ناشـدك ضميرك أن تـقـوم بـها ولـم تـستـجـب له ، طـيلة حـياتـك-

وذهـل الـرجل أيـّما ذهـول، وأدرك أن ذلـك العـدد الهائل من الأعـمال الخـيـِّـرة كان لها أن تكفـل له الجـنة دون أدنى شك، وسال دمعه سـخـيـنا والـحـسرة تـأكل قـلبـه، وعـيناه معلقـتان بمُحـيـّا عـزرائيل، يـستـرحـمه ويـستـلهمه، وهـو يشعـر أن روحه بلغـت الحلقوم

:وإذ بالصوت يحـدثه والوجه المنير مطبق الشفـتين على ابـتسامة خـيْـر

هـناك المزيد. أتـريد مشاهـدته؟ -

. أذكره دون أن أراه. لقـد فهـمت مرادك. ما أبعـد حالي الآن عـمّا كـنتُ عـلـيه قـبل مجـيـئك. كـنتُ أحـسبُ بـحساب البشر-

بل نـُـبـِّهـتـُم يا إنـسان إلى أنه حـسابٌ لا حـسابَ يـضاهيه. كل لقـمةٍ وكل جُـرعة تـناولتها في حـياتك وهي فـوق حاجـتك وأنت على عـلم بأن في العالـم فـقراء، بل وعلى مقـربة منك، ممَن هـم بأمـس الحاجة إلـيها. كل كلمة نطقت بها بغير الحق... وكل كلمة حـق لـم تـنطق بها في ساعـتها ... شاهـدة ٌعلـيك .

:وأخذ عـبد الستار يـئنُّ ويـُردد، وقـد خارت قـواه

غـير معـقول!... يا للهول!... ما فائـدة المزيـد من العـيش وتعـويض كل هـذا يتطلب عـمرا جـديدا بأكـمله . خـلـِّـصني ... أتوسل الـيك -

:وحاول عـبد السـتار يائسا أن يحرك يديه فـلم تستجـيبا له، وشعـر بـنـفسِهِ عـلى شـفا هـاوية سحـيـقة مظلـمة، وعاد إلى حالته الأولى من الهلع وقـد فـارقـته السكيـنة، فصاح مسـترحـما من جديد

ما الفائـدة؟. خـلـِّـصني من هـذا العـذاب. لِـمَ ضـيـّـعـتَ معي كل هـذا الوقـت؟ ما الفائدة ؟ -

:وجاءه الرد باعـثا فـيه سكـيـنة جـديـدة

لم يلـبث عـزرائيل معـك من الزمان سوى طرفة عـين. لقـد كـنتَ صاحـب سريـرة فـيها من الخـلـوِّ أكـثر مما فـيها مِن القصد، ومن الخـيـر أكـثـر مِن الـشـّـر -

ولم يفهـم عـبد الستار الكلمات الأولى ولكنه ارتاح لسماع الكلمات الأخيرة وشعـر أنه يـُبعـثُ مِـن جـديد

تسللت الشمسُ عـبر النافـذة ... وأخـذت تـغـمرُ الغـرفة بـنور واهٍ مُـصْـفـَـرّ اللـون. وفـتـحَ الإنـسان الجـديـد عـيـنـيـْهِ بصعوبة فـوجد فـوقـه عـيونُ تـرصـدُه باهـتـمامٍ شـديـد، وأصـواتٍ نسائـيةٍ تـجـلجـِلُ في أرجاء المكان وأحـدُها يقول بصوت ملؤه الحـنان

يا له من ولـيد رائع ، لقد فـتـح عـيـنـيـْه، إنه يـنظـر إلـيـْـنا وكأنـّهُ يـعي ما حـوله -

انتهى

إقرأ هذه القصة أيضا في ديوان العرب

www.diwanalarab.com

DEJE AQUÍ SU COMENTARIO    (VER COMENTARIOS)


كافة الحقوق محفوظة Editor: Saiid Alami محرر الـموقـع: سـعـيـد العـَـلـمي
ARABSPAIN PRESS(R)-Marca Registrada nº2660578:B.O.P.I. 16/01/2006-Reservados todos los derechos
E-mail: saidalami@hotmail.com