(2)الأشقـ..." />
(2)الأشقـ..."> (2)الأشقـر

موقع الصحفي والأديب سعيد العلمي |
ALBUM DE FOTOS | LIBRO DE VISITAS | CONTACTO |
 
 

LA VOZ ÁRABE-HISPANA الصوت العربي الإسباني
موقع الكاتب والصحفي سعيد العلمي
WEB del escitor y periodista Saiid Alami

وجوديات
وجدانيات
القصيدة الوطنية والسياسية
قصص سعيد العلمي
الصوت العربي الإسباني
POESÍA
RELATOS
La Voz Árabe-Hispana
ARTÍCULOS ARCHIVO

said@saidalami.com

 

(2)الأشقـر

Imagen

كانت المرأة تستمع ليوسف وقد كفت عن البكاء تماما، وكان كلامه على مايبدو قد وقع عليها برَدا وسلاما. ولاحظ يوسف ارتياحها لحديثه ولكنه كف عن الكلام إذ بدأ يفقد زمام أعصابه إزاء ذلك الشيخ المستسلم الذي كان إما صامتا كالقبر أو متحدثا ليوهن من عزيمة تلك المسكينة

وساد صمت عميق بينما تعلقت نظرات كايتانا بيوسف كأنها تستحثه على متابعة الكلام. ولكن صاحبي ظل مطبق الفم، وكانت هذه طبيعـته عندما تتوتر أعصابه، وكنتُ أشعر أنه كان أيضا يتمنى مغادرة ذلك المنزل فورا ولكنني كنت موقنا في ذات الوقت أنه يتحرق شوقا لمعرفة ما حصل لهذه العائلة ... لهؤلاء الأصدقاء

وطرحتُ على المرأة سؤالا كنت متأكدا من أن يوسف كان يعلكه بعصبية في تلك اللحظات: - سينيورا كايتانا. لماذا لاتسردي عـلينا القصة من أولها؟ هذا اذا كنتِ تعـتبرينا من أصدقائك

وردت كايتانا عليّ بهدوء بعـد أن تمكـنت تماما من حـبس دموعها: - بل أنتم من أصدقائنا القليلين. كانت لنا قائمة طويلة من الأصدقاء قبل أن يُزج بزوجي في السجن. وكان بعـضهم يبدو لنا الأخ الذي لم تلده أمُّنا. أما الآن، وقد أصبح ميغيل في السجن وأقفل المقهى فقد انفضّوا عـنا جميعا. كان ميغيل يفـخر دائما بأنه محبوب كثيرا وأن له عشرات من الأصدقاء. كان الكثيرون منهم يظهرون له وجه الصداقة من أجل أن يدعـوهم مجانا لتناول قدح نبيذ تلو الآخر

وقاطعها يوسف قائلا بصوت خفيض كأنه يحدث نفسه : - انه رجل طيب والناس يحبونه ويأنسون له بسرعة

وفعلا بدأت كايتانا بسرد القصة التي أودت بزوجها الى السجن وأدت الى خراب بيتها السعيد فقالت : - بدأ كل شيء بعد زيارتكما الأخيرة لسيغوفيا بأيام . كان الخريف على الأبواب ونسائم الليل قد صار فيها شيء من البرد مما جعل رواد المقهى يأوون الى بيوتهم في ساعة مبكرة الا شخصين أو ثلاثة. كانت الساعة ليلا وكنت أستعد مع زوجي لاقفال المقهى وجرد حسابات ذلك اليوم من العمل ، بينما كانت البنتان تعدان العشاء في المطبخ وتتجاذبان اطراف الحديث بمرح كعهدكما بهما ، فللاثنتين مرح أبيهما واقباله على الحياة . وفجأة إنشق ستار الخرز الذي يتدلى على باب المحل وأطل منه رجل لا يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر وربما أقل من ذلك ...أشقر طويل القامة أزرق العينين . وكما تعلمان ففي اسبانيا يضرب المثل في جمال الرجل الأشقر الطويل القامة الأزرق العينين ، ولعل السبب في ذلك أننا شعب معظمه أسمر قصير القامة نوعا وغامق العينين . وألقى الرجل علينا السلام بكل أدب ، ولاحظنا فورا لكنته الأجنبية . وهممت باخبار الرجل بأن المقهى كان مغلقا اذ لم أرتح له منذ وقع نظري عليه ، ولكن ميغيل الطيب استوقفني ورحب بالغريب وسأله ان كان يريد أن يتناول شيئا . وطلب الأشقر فنجان قهوة وقد بدأ على وجهه قلق شديد . وما أن قدم له ميغيل القهوة حتى بادره الرجل قائلا أنه قد وصل لتوه الى سيغوفيا بالقطار وأنه لم يجد في المحطة أية سيارة أجره وأن هاتف مقهى المحطة كان معطلا . ولم تكن المرة الأولى التي نستمع بها إلى مثل تلك الحالة ، فنحن على بعد أمتار قليلة من محطة القطار . وسارع زوجي وقد فهم غرضه الى اعطائه دليل الهاتف فأخذ الرجل يقلب صفحاته بحماس باحثا عن ارقام الفنادق وهو لا يكف عن شكر ميغيل، فالمحطة كما تعلمان بعيدة عن وسط المدينة وكل ما يحيط بها هو ظلام دامس في مثل تلك الساعة من الليل . وشعرتُ أن زوجي كان يريد أن يعرض على الأشقر أن يؤجره غرفة في احدى الشقتين اللتين اشتريناهما في ذلك الصيف وحولناهما الى مايشبه الـنـُزلَ الصغير

وقاطعتها لأول مرة ، لمجرد أن أقول : - لقد حدثـنا ميغيل عن مشروعه ذاك ودعانا لزيارة الشقتين الواقعتين في المبنى الجديد الملاصق لهذا المبنى

واستأنفت حديثها قائلة : و- أصبح تأجير غرف هاتين الشقتين مصدر رزقنا الوحيد الى حين أن أتمكن من فتح المقهى من جديد. كان ميغيل يعرف أنه من العسير العثور على غرفة شاغرة في اي فندق من الفنادق التي تعلن عن نفسها في دليل الهاتف والتي لاتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة . وفعلا ، فما أن اتصل الغريب هاتفيا بفندقين حتى بدأ حماسه يتلاشى . ولما كان يهم بالاتصال بالفندق الثالث عرض عليه زوجي أن يؤجره غرفة من غرفنا . وتم الاتفاق بسرعة وخرج ميغيل مع الغريب ليريه غرفته وأثناء غيابهما انصرف آخر زبائن المقهى بينما كانت كارمن ولوليتا قد انتهيتا من إعداد مائدة العشاء لنا . ومرت دقائق قليلة عاد بها زوجي ومعه ذلك الرجل الذي بدا لنا أنه أصبح خلال تلك الدقائق من أعز أصدقائه . وانتحى بي ميغيل جانبا وقال لي في زهو وفرح أن الغرفة نالت اعجاب ذلك الأجنبي الذي كان من الواضح أنه ينتمي الى الطبقة الغنية . وأخبرني أن اسمه رينيه وأنه فرنسي وأنه سيتناول طعام العشاء معنا بعد أن الح عليه زوجي بالدعوة ، وهو ما أزعجني أيما ازعاج ، ولكنني لم أفعل سوى أن ابتسمت للغريب مرحبة به . وصمتت كايتانا لحظة انتهزها الشيخ ليردد بحنق وقد تفتحت جروحه باستماعه للرواية من جديد : - الفرنسيون لاخير فيهم . انهم لا يحبون الاسبان اطلاقا ويعتقدون أنهم متفوقون علينا في كل شيء

ولما لم نعـلق بأية كلمة اذ كانت نظراتنا معلقة بكايتانا، استطردت المرأة تقول : - لم أضحك في حياتي كما ضحكت أثناء ذلك العشاء . فلقد كان رينيه سريع النكتة وصاحب ظرافة فريدة ، اضافة الى أنه كان يكلمنا بلغة اسبانية ركيكة نوعا مما كان يثير ضحك البنتين عليه كلما ارتكب خطأ ظريفا سواء بالمعاني أم بالنطق . والحق أنه سرعان ما استحوذ على اهتمامنا وعلى ثقة ميغيل الذي كان يستمع اليه بشغف وهو الذي لايستمع الى أحد في مثل هذه المجالس التي اعتاد فيها ألا يترك مجالا لحديث غيره. كان الفرنسي مثقفا واسع التجربة في الحياة ، يعرف أوروبا بأسرها وبلدانا كثيرة في افريقيا وآسيا ، مما جعلنا جميعا آذانا صاغية لحديثه الشيق ذاك ، لاسيما كارمن ولوليتا . وأذكر تماما أنه لم يعكر صفو تلك الجلسة سوى نقطة واحدة اصطدم بها ميغيل مع رينيه ، وكاد الخلاف بينهما أن يحتد ، فقد كانا شبه ثملين بعد كل ما تناولاه من نبيذ على العشاء

وتدخل الشيخ من جديد مرددا وهو يهز رأسه: - آه. أذكر ذلك. موضوع العرب

وردت عليه كايتانا بحنان: - ولكنك لم تكن معـنا عـلى العشاء أيها الجد . لقد كنت تغط بالنوم في تلك الساعة المتأخرة

- نعم. نعم. ولكنكِ رويْـتِ لي ذلك عـدة مرات

وكنتُ ويوسف قـد تشوّقـنا بشكل خاص لمعرفة نقطة الخلاف تلك بين ميغيل وضيفه والتي قال الشيخ أنها تتعلق بالعرب. فنظرتُ الى كايتانا استحثها على مواصلة الحديث فسارعـت تقول : - في سياق حديثه عن زياراته الى بلدان كثيرة أساء رينيه الحديث عن العرب ووصفهم بالهمجية وغير ذلك من الألفاظ المشينة . وواقع الأمر أن ميغيل تغاضى عن ذلك في أول الأمر ، ولكن رينيه عاد يلح في استهزائه من العرب عله ينتزع ضحكنا واعجابنا كما اعتاد منذ بدء الجلسة ، الا أننا جميعا بقينا واجمين مما أثار عجبه . واذ به يتحول عن منطق الهزل ليشتم العرب هكذا صراحة وبشكل جدي . وهنا سأله ميغـيل باحتداد عن سبب كراهيته للعرب، فحار الفرنسي جوابا واكتفى بتكرار نعوته القـبيحة للعرب حتى قال له ميغيل بشيء من الحنق ولكن دون أن يفقد أعصابه: -" انكم يا معـشر الفرنسيين تكرهون نصف العالم وتحتقـرون النصف الآخر. أنا سأقول لك لماذا تكرهون العرب، لأنهم هزموكم في الجزائر وأخرجوكم من ديارهم بعـد أن استعـمرتموها لأكثر من مئة عام، كما أخرجوكم من المغـرب ومن تونس و من بلدان عربية أخرى، ولم يمض على كل هذا سوى سنوات قليلة يارينيه. هذا أحد الأسباب لكراهيتك لهم. أتريد مني أن أسرد لك المزيد منها ؟"

كانت كايتانا تتكلم مقلدة طريقة كلام زوجها حتى أضفت على السؤال الأخير شيئا من الحدة والغضب. ولم تتوقف بل تابعـت كلامها قائلة : - ودُهش رينيه أشد الدهشة وهو يستمع إلى ميغيل وسأله وقد لاحظ غـضبه عن سر معرفـته تلك بهذه الناحية من تاريخ فرنسا. فرد عليه ميغيل بأنها فصول من تاريخ العرب أولا قبل أن تكون من تاريخ فرنسا،وأنه عاصرها، فلا غرابة في ان يذكرها. وأضاف زوجي بعد ذلك عبارة لاأنساها بدا أنها أزعجت رينيه وجرحت غروره، إذ قال له " ألا اعلم يا ضيفـنا أنك لست الوحيد هنا الذي يعرف العالم. والفارق بيننا وبينك أنك مضطر للسفر من بلد لآخر للتعرف على الناس أما نحن هنا، في هذه المدينة التاريخية وفي هذا المقهى، فإن العالم ببلدانه كلها يأتينا زائرا، كما أتيتنا أنت الفرنسي وغيرك من الفرنسيين، ولم نزر نحن فرنسا قـط. فرنسا هي التي تزورنا. وكذلك العرب، ولي منهم أصدقاء أعـتز بهم ويحبونني ويحبون عائلتي هذه ولا أقبل منك أن تشتم أصدقائي"

ولم يَطـق يوسف سوى أن هتف متأثرا: - ميغيل رجل نبيل. نِعـمَ الصديق ميغيل

ورد عليه الشيخ : - قلتُ لكم أن الفرنسيين لاخير فيهم. إنهم لا يحـبون الإسبان إطلاقا. لاتـنسوا أن نابليون احتلنا لزمن طويل. ولكننا طردناه شر طرده

قال العجوز كلماته الأخيره هذه بحماس شديد ملوحا بقبضته في الهواء، وابتسمت كايتانا لقول حماها وهتفت به بصوت عال كعادتها كلما كلمته لضعف سمعه: - لقد حدَث ذلك قبل ميلادك بنحو مائة عام أيها الجـد

ثم استطردت كايتانا تقول: - ولكن لنعـُد الى تلك الليلة. لقد أدى ذلك النقاش بين ميغيل والفرنسي إلى فـتور واضح في الحديث الذي دار بيننا وبين رينيه بعـد ذلك والذي لم يستمر سوى لدقائق نهض بعضها الأشقر مستأذنا وانصرف الى غرفته. وكان لذلك العـشاء أثر لم ألاحظه حتى أشرفـت السهرة على نهايتها. فإن رينيه الجميل الطلعة .. الطويل القامة .. صاحب النكتة .. الرجل المُجرِّب الذي يكاد يعرف الدنيا بأسرها ... المثقف الذي يتكلم ثلاث لغات... والغـني صاحب الثروة، هذا الرجل لم يكن قـد استحوذ على اهتمامنا جميعا وحسب، بل كان أيضا قد بهر كارمن ولوليتا وسحرَهـما بشخصيته. وكيف لا وهما معتادتين على معاملة نوع من الناس ليس في حياتهم ما يثير أو يدهش. أضف الى ذلك أنهما كانتا في سن خطرة كل أمر مثير يتبدّى فيها رائعا وكل مدهش ممتازا، هكذا دون تمحيص ولا تحليل. إنها سن الحب الذي يكون القلب فيه مفتوحا على مصراعيه لأول طارق كائنا من كان. ولقد أوجستُ خيفة وتشاءمتُ اذ لاحظتُ نظرات ابنتيَ معلقة برينيه. وتلاشى مرحي في تلك الليلة قبل أن ينشب النقاش بين ميغيل ورينيه اذ لمحـتـُه يوجه نظرات لا تخلو من معاني لابنتي الكبيرة كارمن، فأصبحتُ على أحر من الجمر مستعجلة نهاية ذلك العشاء المنحوس الذي كان بداية كل مصائبنا اللاحقة

وانصرف رينيه الى غرفته بعـد أن حيانا واحدا واحدا مستخدما مرحه المعتاد كي يؤكد أن خلافه الأخير مع ميغيل لم يخلـِّف في نفسه أي أثر سيء. وأراد ميغيل أن يرافق رينيه حتى غرفته ليبرهن له بدوره على أنه لم يكن مستاءا منه وأن كل شيء يسير على ما يرام. لكن الفرنسي أصر على أن يبقى زوجي معنا، وتصافح الرجلان مجددا وابتسامة عريضة تعلو شفتي كل منهما. وما أن خرج الأشقر من باب المقهى حتى وجدتُ ميغيل ينظر إليّ بصمتِ وفي عينيه ارتسمت علامة سؤال كبيرة لم أدر كنهها ولكنها أثارت في نفسي هواجس جمة. ونظرتُ إلى كارمن ولوليتا فوجدتهما منهمكتين في تنظيف المائدة والمطبخ وقد تلاشت فرحتهما وكف ضحكهما

وفي صباح اليوم التالي فتحنا المقهى الساعة السابعة كالعادة، وأذكـُر أن الجو كان رائعا والسماء زرقاء صافية حتى بدا لي وكأن هواجس الليلة السابقة قد مضت عليها عهود طويله فلم يكن لها في نفسي في تلك اللحظات من أثر. ولم ألاحظ على زوجي أدنى انزعاج فقد كان مقبلا على الصباح بنشاط ومرح، كما عرفته دائما. أما البنتان فكانتا بعـدُ في الفراش، كعادتهما في تلك الساعة من أيام الصيف

ومضى الصباح هادئا وديعا حتى ساعة الضحى، فإذا برينيه يدخل المقهى مشرق الوجه، يحيينا بأعلى صوته، فاستقبلناه بدورنا أحسن استقبال. وتناول الأشقر طعام الفطور برفقة ميغيل ودار بينهما حديث علا فيه ضحكهما من جديد. ولا أدري لماذا كنا نعامل رينيه معاملة تختلف عن معاملتنا لباقي الزبائن، فمنذ اللحظة الأولى عامله زوجي معاملة الصديق، ولعل ذلك يعود الى نزعته الطبيعية في اغـداق الصداقة على غير الإسبان لمشاركته لهم مشاعر البعـد عن أوطانهم وعائلاتهم، كما قال لي ذات مرة

وما أن انتهيا من تناول الفطـور حتى سمعـتُ ميغيل يقول لجليسه بصوتٍ عال مشيرا إليّ: - من الأفضل أن تستشير أمها، فمن ناحيتي لا مانع

واذ بي والأشقر يتجه نحوي قائلا لي بثقة كاملة وكأنني من أعز أقربائه. سينيورا كايتنا، أريد أن أتجول في سيغـوفيا لأتعرف جيدا على هذه المدينة الشهيرة. ولكنني لا أود أن أفعل ذلك لوحدي وقد أصبح لي بكم أصدقاء طيبون في هذا البلد. فهل تسمحي للآنسة كارمن بمرافقتي لتريني مدينتها؟

( http://www.wadhoo.com/t3/page3.asp?Id=25718&Rf=11&Rt=1&Np=112 تابع قراءة الجزء الثلث والأخير في )

DEJE AQUÍ SU COMENTARIO    (VER COMENTARIOS)


COMPARTIR EN:



Todos los derechos reservados كافة الحقوق محفوظة - Editor: Saiid Alami محرر الـموقـع: سـعـيـد العـَـلـمي
said@saidalami.com
E-mail: said@saidalami.com