مريم

قصة سعيد العلمي

مريم

<span style=color:#00BF00><b><span style=font-size:14pt>مـريـم <p> قصة سعـيد العـلـمي</span></b></span>

موقع الصحفي والأديب سعيد العلمي |
ALBUM DE FOTOS | LIBRO DE VISITAS | CONTACTO |
 
 

LA VOZ ÁRABE-HISPANA الصوت العربي الإسباني
موقع الكاتب والصحفي سعيد العلمي
WEB del escitor y periodista Saiid Alami

وجوديات
وجدانيات
القصيدة الوطنية والسياسية
قصص سعيد العلمي
الصوت العربي الإسباني
POESÍA
RELATOS
La Voz Árabe-Hispana
ARTÍCULOS ARCHIVO

said@saidalami.com

 

قصص 2

مـريـم

قصة سعـيد العـلـمي


مريم

قصة سعيد العلمي



شعر في أوج لعبه مع إبنته مريم ، التي ستحتفل بعد أيام بعيد ميلادها الخامس ، أن الدنيا لاتتسع له من فرط السعادة وحب الحياة . وفي عز لهوها وصياحها 
وهرجها وتقلبها العنيف بين ذراعيه محاولة الافلات من قبضتهما ، وبينما كان ضحكها يرش أرجاء البيت عطرا وأريجا ، كان هو لايكف عن تأمل وجهها وقد تورد وأحمر في ذروة نشاطها وحركتها

كان يشعر أن لعبه مع طفلته هو ضرب من الصلاة التي تسمو به على جناحي الحبور والرضا إلى علياء البهجة الكاملة . إنها صلاة لخالق السموات والأرض ... خالق البشرية ... كيف يجعل من الإنسان أكثر من إنسان واحد ... جنينا فوليدا فرضيعا فحابيا فطفلا فصبيا ففتى فشابا فرجلا فكهلا فشيخا فعجوزا . سبحانك اللهم ، أسجد للطفولة التي خلقتها ... لأنها أروع ما عمرت به الأرض ... كيف يترعرع الإنسان كما الزهر ويتفتح ... يتلعثم ، يحبو ، يمشي ، كيف يتلمس الكون من حوله ، كيف يدركه رويدا رويدا . سبحانك اللهم . أية رقة أودعت في الطفولة .. أية عذوبة أية حلاوة أية سذاجة .. أي جمال .. أية متعة للعين .. أية استراحة للقلب .. أية سعادة للوالدين . سبحانك الله على مخلوقك الطفل .. كيف يتحول بشرا سويا ناضجا فكأن ذلك الطفل ما كان ... كأنه مات ... كأنه رحل الى عالم آخر . أبناؤنا اللهم يكبرون ويشبون أم كلما كبروا يموتون متفتقين عن أبناء آخرين ... لحظة فلحظة يتخلقون ، يوما فيوما ينمون ... حولا فحولا ينشأون ... ويتبدلون ، ونحن لا نعي ذلك الا على ومضات متقطعة ومتباعدة ، لا نقوى على أن نصدق ما تشاهده أعيننا ، فكأنما يحدث لأول مرة في التاريخ . نريدهم كبارا وفي ذات الوقت نريدهم أطفالا يانعين نضرين

وفي خضم أفكاره هذه ضم إبنته إلى صدره بحنان هدار ، فيه كل الحب الذي يقدر عليه إنسان ... كل الحنان الذي بذرته اللهم في الأرض يثمر لحظة عناق الأم أو الأب لطفلهما ... نريدهم يارب هكذا صغارا ضعفاء يلجأون دوما إلى صدورنا ، ونريدهم شبابا قد إشتد عودهم ، يملأوننا فخرا ونشوه ... وبينما هم يكبرون نكبر نحن أيضا ونشيخ ولا نعي ذلك الا على ومضات ... ونود لو نتعلق بأذيال الزمان ... نستوقفه .. نستحلفه بالله أن يسكن لحظة

وراحت الصغيرة تحاول الإفلات من بين ذراعيه من جديد ، باذلة قصارى جهدها للتملص منهما . وكانت كلما فكت نفسها وأفلتت ، بتسهيل من أبيها بالطبع ، قفزت جذلانه فرحة تردد له بصوت يهز جدران البيت أنها قوية جدا وأنه ليس بوسعه أن يمنعها من الإفلات من قبضته . ثم بعد ذلك تعود لتحبس نفسها بين ساعديه مرة أخرى في تحد جديد تتطلع فيه إلى اثبات شطارتها وقوتها لأبيها علها بذلك تحتفظ باهتمامه بها إلى أطول وقت ممكن صارفة اياه عن أختها الكبيرة وشقيقها الرضيع

وعاد يتأمل الوجه المتورد وجماله الساحر ، يتمتع بتأمله أشد متعة . وتذكر طفولته هو ... لحظات متفرقة من تلك الطفولة البعيدة ... تلك المرحلة من عمر الإنسان هي الوردة الفواحة الفريدة فيه ، والتي يظل شذاها عابقا يلف الوجدان حتى ساعة الممات . أما طفولة أبنائنا فهي البستان المعطار الوحيد الذي يتاح لنا دخوله بعد طفولتنا، والفارق بينهما شاسع ، وهو لصالحنا ، فالإنسان منا لايعي طفولته الا وقد فات الأوان وذهبت أدراج الرياح ... أما طفولة أبنائنا فنعيها ان شئنا كل الوعي ، ونتمتع بها يوما بعد يوم ... بامكاننا أن نتأملها حتى الغرور ونتحسسها حتى الادراك ونلمسها حتى الخدر ونلثمها حتى الذوبان ونصغي لها حتى الطرب ... فهي طفولتنا الثانية التي يعجز أطفالنا عن تذوق شهدها وأدراك أبعادها . وتنبه من جديد على ابنته تصرخ به في خضم لعبها :

- هيا مرة أخرى يا بابا . أمسكني الآن جيدا ، لاتدعني أفلت . سترى كم أنا قوية يا بابا

عشرون أو ثلاثون مرة أمسكها وتركها تفلت من يديه ، وهي لاتكل ولا تسأم . فقال لها وهو يطبع على خدها قبلة جديدة :

- الآن سترين . لن تتمكني من الإفلات هذه المرة ، سأشد عليك بكل قوتي

وشد عليها قليلا فاذ بها تصرخ متأففة :

- لا تمسكني بهذه القوة يا بابا . انه مجرد لعب

سبحان الله . هي تعلم أنه لعب وتريد في نفس الوقت أن تقنع أباها بأنها قوية ... يا لمنطقكن العجيب أيتها النساء ... بل أيتها الطفلات الرائعات

وفي ذروة نشوته الأبوية اذ بابنته تقول وهي تصارع ساعديه :

- بابا ، بابا ، توقف للحظة

- أتوقف ؟ لماذا ؟ أستخدعينني يا شاطرة لتفلتي مني بالحيلة ؟ هذا ليس عدلا يا حبيبتي

وتوقفت عن العراك وهي تلهث والابتسامة الواسعة قد حولت وجهها شمسا مشرقه ، ثم قالت ضاحكة :

- لا والله يا بابا . فقط اريد أن أسألك شيئا

وتوقف عن الضغط عليها بين ساعديه وعيناه تتغذيان سعادة من عينيها ، فسألته :

- هل تعرف ما هو يوم الأربعاء ؟

- يوم الأربعاء ؟

وترددت ضحكتها كزقزقة العصافير وهي تقول ازاء استغراب ابيها من السؤال :

- الأربعاء يا بابا . لقد سألت ماما وقالت لي أنه سيكون يوم الأربعاء

وتصنع أنه لم يدرك مغزى حديثها ، فقال لها :

- آه . انه عيد ميلادي ياحبيبتي ؟

وضجت ضاحكة من جديد وهي تردد :

- عيد ميلادك ؟ كم عيد ميلاد لك يا بابا ؟. لقد احتفلنا بعيد ميلادك وانتهى الأمر

- آه . صحيح . معك حق . اذن فالأربعاء سيكون عيد ميلاد أختك لمياء . أترين كيف أعرف

وقرقرت في ضحكها وهي تردد :

- كلا . كلا . انك لاتعرف ما هو يوم الأربعاء

- اذن فلماذا لا تقولين لي وتريحينني . انني رجل عجوز فقدت الذاكرة

وأغربت الطفلة في ضحكها الرنان ، الذي كان له وقع أعذب الموسيقى على سمع أبيها ، وقالت وهي تغالب الضحك :

- عجوز يا بابا ؟ انك بعد مازلت شابا فلا تقل مثل هذا الكلام . ان يوم الأربعاء هو عيد ميلادي

وتصنع المفاجأة . وضرب بيده على جبهته وهو يقول :

- آه . بالفعل . انه عيد ميلادك ياحبيبتي . وسنعمل لك هنا حفلة جميلة كما إتفقنا

- لقد كبرت سنة أخرى يا أبي وأصبحت أكثر قوة ، وسأثبت لك ذلك الآن . هيا أمسك بي من جديد

وسارعت بالعودة الى ما بين ذراعيه وهي تدعوه ليمنعها من التخلص منهما ، أما هو فقد راح يفكر بعيد ميلادها الآزف ، فكأنما عاود الإنتباه الى ساعة الحياة وعقربيها المتسابقين ...غدا تكبرين يا ابنتي ، كما كبرت أختك . ولمعت في ذاكرته الدموع التي شاهدها في عيني والده أكثر من مرة وهو يتأمله ويتأمل اخوته وقد أصبحوا رجالا ونساءا لهم أولادهم ... آه ياصغيرتي لو تعرفين كم تألمت عندما سمعت والدي يقول لنا قبل أيام وعيناه محمرتان تغالبان الدمع المترقرق فيهما : -" أيا ليتني أعود للحظة واحدة إلى تلك السنوات السعيدة ، عندما كنتم صغارا تركضون وتلعبون ويضج بكم البيت حتى يكاد يميد . تلك الأيام التي كنتم تلعبون فيها بين رجلي كالقطط وتجلسون على حجري فأحضنكم وأشم عبير طفولتكم ... ما أسعدها من أيام هي أجمل ما في الحياة " . لكم آلمه سماع هذا الكلام من أبيه ، لعدة مرات خلال السنوات الأخيرة ... كان فيها يتألم لألمه ... وينظر الى عينيه فيرى فيهما اطلالة حنين والتياع ... ومعالم شيخوخة. كان يتمنى لو أنه يعود طفلا ولو للحظة كي يحقق لأبيه تلك الأمنية الغالية والمستحيلة

وغاب الرجل عن دنياه للحظات تخيل خلالها أن العمر قفز به لأكثر من ربع قرن نحو المستقبل ، فأصابه الذعر . وعاودته عينا والده والدمع فيهما يترقرق ، وتخيل أبناءه الثلاثة وقد كبروا وابتعدوا عنه وعن أمهم وانشغلوا بأبنائهم وأزواجهم ، فهذه سنة الحياة وعجلتها التي لاتملك سوى الدوران الحثيث الذي لايبقى على شيء وينتهي بكل شيء الى الفناء . ورآى نفسه أشيب الرأس قد ملأت وجهه التجاعيد وخبا البريق من عينيه ووهنت عظامه ودب الألم في مفاصله، وتخيل زوجته وهي في حال مشابه لحاله ، وكلاهما في البيت وحيدين بلا مستقبل ولامشاريع ولا أقرباء ولا أصدقاء ، فمعظمهم قد تساقط على طريق الزمان ، الواحد تلو الآخر

وتصور طفلته الحلوة وقد أضحت سيدة وانشغلت عنه وعن أمها بألف صغيرة وكبيرة يتكون منها مشوار الحياة القصير ، ورآها وهي لا تذكر من لعبها معه في طفولتها سوى مشاهد عابرة كادت السنوات المتراكمة أن تمحو معالمها من الذاكرة . وتصورها وهي بعيدة عنه في حياتها المستقلة لا تحتاجه بشيء ، وهي التي أمضت سني طفولتها ملتصقة بأبويها ومعتمدة عليهما في كل شؤون حياتها العذبة ، بل ولسنوات أخرى كثيرة بعد الطفولة. ورآى الكون من حوله يبابا والأفق خاويا ، وعجوزين في البيت قابعين لا قيمة لهما في قلوب أولادهما سوى تلك التي يفرضها عليهم الحد الأدنى من الرحمة أو الحنان أو الخجل ... والأسماء سيان مادامت النتيجة واحدة . وتخيل نفسه وزوجته جالسين لوحدهما في منزل لا يسمع فيه سوى سعالهما ، ينتظران بفارغ الصبر أن يطرق بابهما ولو مرة في الاسبوع أو أن يرن جرس الهاتف ولو مرة في اليوم . ورآى نفسه لايجتمع بأبنائه إلا في مناسبات متفرقة، وهو ينظر إليهم بشوق وحنان ويرى فيهم صغاره الذين كم أكلوا من راحة يده ، كما العصافير ، بينما هم ينظرون إليه فلا تهزهم ذكرى ولا ينتفض لهم قلب ، فمسؤولياتهم لا تدع لهم فرصة لمثل هذه الأمور العاطفية تجاه شيخين ليس فيهما سوى ماض وذكريات . شيخان مرشحان للموت في أية لحظة ، حتى ان منيتهما تصبح ، اذا ما حانت ووقعت ، مجرد مناسبة حزينة للابناء، متوقعة ومنتظره ، سرعان ما يطويها النسيان بعد اسابيع من الحزن الروتيني يجرفهم بعدها تيار حياتهم اليومية الى النسيان التام ، اللهم الا ذكرى عابرة عن والديهم تعتري اذهانهم وترتعش لها قلوبهم من وقت لوقت بينما هم يتأملون نمو الابناء بشغف وخوف من المستقبل

وهاله المنظر القاتم الذي تجسد في مخيلته وارتعدت فرائصه وهو يتصور نفسه يتلوع على لحظة سعيدة يقضيها بسلام وحبور مع أطفاله ، فاخضوضلت عيناه بالدمع

- بابا . بابا . ماذا بك ؟ لماذا لا تشد علي ؟ لماذا لا تلعب ؟ لماذا دمعت عيناك ؟

وشده صوت طفلته من عالم المستقبل ليعيده الى اللحظة الحاضرة فتأمل عينيها كأنه يستيقظ من كابوس مروع وعانقها بقوة كأنه يمنعها من أن تفر من بين يديه . وراحت الصغيرة تحاول الافلات منه متذمرة حتى اضطر أن يتركها تفلت كما الحمامة التي تنطلق من عشها . ولكنه كان يشعر بسعادة عارمة . كما لو أنه تمكن من تحقيق حلم أبيه ، ولكن لنفسه ، فها هو قد عاد القهقرى بالزمان من الشيخوخة الى الشباب ... وها هو يعود الى احتضان صغيرته ، وينعم بقرب اطفاله ، فابنته الكبيرة ذات التسع سنوات تشاهد التلفاز في الصالة بينما ابنه الرضيع يحتكر كل رعاية أمه في الغرفة المجاورة . وعجب للإنسان كيف لا يقدر كل لحظة من عمره يقضيها مع صغاره حق قدرها ... وكل لحظة يعيشها مع كباره الماضين نحو الأفق البعيد . حتى إذا مر الزمان ، ضرب الكف بالكف ، وتلفت حوله فلم يجد من جنة الأمس سوى صحارى الذكريات

وحمل صغيرته بين ذراعيه وهي في غاية السرور ومضى بها حيث كانت تجلس ابنته الكبيرة فضمها اليه وهي تحاول التخلص من عناقه كي يتسنى لها متابعة فيلم الرسوم المتحركة على شاشة التلفاز

ثم انتقل الى جوار طفله الأصغر فحمله بين يديه ، رغم إحتجاج زوجته ، وضمه إليه برفق وهو يتأمله مليا وابنته مريم تشده من ثيابه وتدعوه لمواصلة اللعب ، ثم أطلق ضحكة سعادة وهو يردد بصوت عال، وزوجته لا تفهم تصرفه و لا تحدس ما يدور بخلده :

- يا بني . كم أنا سعيد بأن يكون يومنا هو اليوم

1984

من كتاب :( مربـم) صدر في 1995

DEJE AQUÍ SU COMENTARIO    (VER COMENTARIOS)


COMPARTIR EN:

مريم

Todos los derechos reservados كافة الحقوق محفوظة - Editor: Saiid Alami محرر الـموقـع: سـعـيـد العـَـلـمي
said@saidalami.com
E-mail: said@saidalami.com