(1)&nb..." />     (1)&nb..."> (1) الأشقر

موقع الصحفي والأديب سعيد العلمي |
ALBUM DE FOTOS | LIBRO DE VISITAS | CONTACTO |
 
 

LA VOZ ÁRABE-HISPANA الصوت العربي الإسباني
موقع الكاتب والصحفي سعيد العلمي
WEB del escitor y periodista Saiid Alami

وجوديات
وجدانيات
القصيدة الوطنية والسياسية
قصص سعيد العلمي
الصوت العربي الإسباني
POESÍA
RELATOS
La Voz Árabe-Hispana
ARTÍCULOS ARCHIVO

said@saidalami.com

 


    (1) الأشقر

قصة بقلم سعيد العلمي


Imagen

كان القطار يسير الهوينا ، فكأنه سائر على أقدام بشرية وليس على عجلات حديدية ، لكنني كنت سعيدا ببطئه ، فقد كان يتيح لي تأمل المناظر الخلابة التي كانت تمر تباعا عبر النافذة ، بأحراش الصنوبر الكثيفة وبالهضاب الخضراء المرصعة بأشجار البلوط حينا وبالزيتون حينا آخر وبضروب أخرى من الشجر والشجيرات ما عرفت لها اسما . وأحيانا ما فاجأني أرنب بري يجري مذعورا لدى مرور القطار وتفجر زعيقه في هدأة الصباح ووسط تلك الطبيعة الوادعة

كنت متوجها الى بلدة سيغوفيا ، في قلب قشتالة ، وقد أصبحت من مدريد على مبعدة كافية تقيني من شرور حرها المزهق للأنفاس وضجيجها الذي لا يطاق وفظاظة أهلها الذين جاؤوها من أنحاء اسبانيا تاركين في بلادهم الأصلية دماثة الخلق والتهذيب . كنت تواقا للوصول الى سيغوفيا شمالا وللتمتع بجوها الرقيق ونسماتها المنعشة الكفيلة بتحويل حر أغسطس ذاك الى هواء عليل ونسمات ربيعية . وكنت أتوق أيضا الى مراقبة غروب الشمس خلف الجبال المحيطة بتلك المدينة ، فان الله قد أبدع في صنع الغروب فجعل منه آية من آيات الجمال ، ولكنه خص غروب سيغوفيا بروعة مميزة هي أسمى ما توصل اليه عز وجل في تصوير هبوط الشمس خلف التلال والحقول

وتذكرت زياراتي السابقة لسيغوفيا والتي تكررت طيلة السنوات الخمس الأخيرة وكنت أقضي فيها فترات قصيرة ربما تمتد لأقل من يوم وربما لأسبوعين عرفت أثناءها لطف أهل المدينة واقبالهم على الغريب بود واحترام لم أعهدهما في مدريد . ومر القطار بعدد من القرى والمصايف التي يؤمها سكان العاصمة حال حلول القيظ ، قبل أن نصل الى محطة سيغوفيا . وتنفست الصعداء وقد أصبحت في مأمن من مدريد وروتين الحياة المملة فيها وفكرت بشوق بالأسبوعين الذين كنت عازما على قضائهما في هذا المصيف الهادئ برفقة صديق عزيز

وما أن وطأت قدماي رصيف المحطة حتى شاهدته ينتظرني وكان قد سبقني الى سيغوفيا بايام قادما اليها من اشبيلية هاربا بدوره من حرها اللاهب

وكان صديقي من العرب الذين آثروا منذ أن وصلوا الى اسبانيا ، قبل أكثر من عقد من الزمان ، العمل بالتجارة ، بدلا من مضيعة الوقت في الوظائف، فأصبح من رجال الأعمال الموفقين في اشبيلية وامتلك من بين ما امتلك منزلا في سيغوفيا كنا نلتقي فيه في اجازات الصيف لقاءنا الوحيد على مدار السنة، ولم يكن ذلك مما يؤثر على صداقتنا بل كانت تزداد ثقة وتوطيدا عاما بعد عام . كنا قد تجاوزنا الثلاثين من العمر ومازلنا نحتفظ بعزوبيتنا وكانت لنا في الحياة فلسفة التقينا عليها فتفاهمنا ، ملخصها "عش ودع غيرك يعيش" ط

وحال مغادرتنا للمحطة بسيارة صديقي يوسف انهال الواحد منا على صاحبه بالأسئلة عن أحواله وأخباره رغم أننا كنا نتحدث عبر الهاتف لعدة مرات على مدار السنة . ورحنا نخطط للرحلات التي سنقوم بها الى الجبال والقرى المجاورة لسيغوفيا والتي اشتهرت بجمال طبيعتها ومطاعمها

وصمم يوسف ، كعادته كل صيف ، على أن نتناول وجبة الغداء الأولى معا في مطعم كانديدو الذائع الصيت والذي أشتهر بالخنزير المشوي ، ولكننا بالطبع، كعادتنا، لم نتناول ذلك الطبق ، لا لأسباب دينية وحسب بل لأن أكثر من عشر سنين من الاقامة في اسبانيا لم تكن كافية لانتزاع ذرة واحدة من التقزز الشديد الذي كنا نشعر به لدى رؤية ذلك الحيوان القذر الذي هو أشبه مايكون بفأر كبير . ان أقبح ما يمكن أن تقع عليه العين في سيغوفيا هو منظر الخنازير الرضيعة مسلوخة ومعلقة من أفواهها في نوافد المطاعم العريقة وقد شطرت الى نصفين وشويت

ومن مائدتنا في ذلك المطعم الذي تطل نوافذه على الأقواس الرومانية البديعة لقناة المياه المعلقة، دار بيني وبين يوسف حديث حميم بدأناه كما هي العادة بين كل صديقين يلتقيان بعد طول انقطاع ، تذاكر الماضي وأيامه الحلوة ثم الاعتذار عن قلة المكاتبة أو عدمها أو قلة المكالمات الهاتفية . فلما انتهينا من هاتين المرحلتين رحنا نخطط - كما كنا نفعل في السنوات الأخيرة وعلى نفس هذه المائدة - لكيفية قضاء الوقت خلال الأسبوعين المقبلين

وبينما كنت استمع الى يوسف كنت افكر ، وعيناي عبر النافدة لا تتحولان عن المبنى الروماني الشاهق ذي الألفي سنة ، في سرعة الزمان التي تجعل من السنة، بساعاتها وايامها وشهورها ، مجرد ومضة خاطفة، فقد بدا لي في تلك اللحظات وكأن جلستي الأخيرة مع يوسف في العام الماضي في نفس ذلك المكان قد حدثت لتوها . ولكن ما قيمة السنة الواحدة وأنت تنظر الى ألفي سنة منتصبة أمام عينيك وتفكر بكل ما تعاقب من أجيال وأحداث تحت تلك الأقواس الحجرية الصامتة . وما ان انتهينا من طعامنا حتى قلت ليوسف : والآن ما رأيك بتناول القهوة عند ميغيل ؟ وميغيل هذا رجل ظريف يمتلك مقهى اعتدنا على التردد عليه في اجازاتنا السابقة

وأعجب يوسف بالفكرة وهتف قائلا: تقصد مقهى " التنبل " ؟ . انها لفكرة ممتازة . مضى أسبوع كامل على وصولي الى سيغوفيا ولم أذهب بعد لزيارته لأنني أفضل أن نذهب اليه سوية كالعادة ... وأنت سيد العارفين

وجاءت عبارته الأخيرة التي أرفقها بغمزة من عينه اشارة الى ابنتيِّ " التنبل " كما كنا نلقبه . فللرجل ابنتين غاية في الجمال لم تتجاوز الكبيرة فيهما التاسعة عشرة وكانت أختها تصغرها بسنة واحدة . والفتاتان تعملان في المقهى في خدمة الزبائن ، بينما يتبادل والدهما أطراف الحديث مع زبائنه كأنه واحد منهم ، موجها أوامره الى زوجته وابنتيه كي تسرعن في خدمة هذا وحمل المشروب لذاك . وكنا لذلك نسميه "بالتنبل "على سبيل الدعابة لا أكثر ، فنحن لم نشاهده يوما يخدم رواد المقهى أو يعد لهم طعاما أو شرابا ، وحجته في ذلك ، كما قال لنا مرارا ، أنه اشتغل منذ صباه وأنه وقد تجاوز الخمسين من العمر حق له أن يكتفي بادارة المقهى . وكان يؤكد لنا ضاحكا كعادته أنه - وان بدا انه لايشتغل - يقوم بالمهمة الأكثر تعقيدا في المقهى ، ألا وهي ادارته وتسلية زبائنه الذين يداومون على زيارة مقهاه للإستمتاع بأحاديثه والضحك لنكاته

والواقع ان الحقيقة لم تكن بعيدة عن منطقه ذاك ، فالرجل عرفناه شعلة من الحياة والمرح والظرافة . بحيث لايمل مجلسه . ولم يكن لي أو ليوسف أدنى مطمع بابنتيه فلقد كان بيننا وبينهما فارق في السن لم نكن ننساه ، و كان تلميح يوسف للفتاتين مجرد مزاح برئ فلم تكن بنا حاجة الى نساء في اجازتنا تلك ونحن الأعزبان الذان ننشد البعد عنهن ولو لأيام قليلة

وتوجهنا الى مقهى صديقنا ميغيل سيرا على الأقدام ، وكلانا مستعد بل ومشتاق لاستقباله الحار والصاخب لنا كما يفعل في كل مرة نزوره بها فكأننا من صميم عائلته ، ففي كل عودة لنا لمقهاه كان يشبعنا عناقا وربتا على الاكتاف وصياحا يدعونا فيه الى تناول مانشاء ثم يرفض أن يأخذ منا ولا بيزتا واحدة . وكان ينطلق ساردا علينا بالتفصيل كل ماشهدته سيغوفيا من حوادث وحكايات أثناء غيابنا عنها . وكان في انهماكه بالحديث لايدع لنا فرصة الكلام ، وما كنا بحاجة اليه لأن حديثه كان ينقلنا من ضحك الى ضحك ، فاذا استراح لحظة يرشف أثناءها من قدح الكونياك أو النبيذ الذي لم يكن يفارق يده كنا نهب لنسأله عن شخص ما أو عن مكان ما أو عن حادثة سمعنا بها فيكون هذا بابا جديدا لحديث منه بارع الظرافة نضحك له حتى نكاد نختنق وهو يشاركنا الضحك بسعادة بادية على وجهه بينما لا يكف عن دعوتنا لشرب هذا وتناول ذاك من أطعمة .وكنا لا نشاركه الا بشرب المرطبات أو القهوة ، فيفشل المرة تلو الأخرى باقناعنا بتناول قدح من النبيذ أو الكونياك أو الويسكي أو غيره من عشرات المشروبات التي تتكدس زجاجاتها على رفوف المقهى . وكان ازاء فشله المتكرر ذاك يقول متأففا ومداعبا : - انكم يا معشر العرب تريدون أن تعيشوا ألف سنة . اشربوا فان الانسان منا لا بد وأنه ميت من مرض ما أو من شئ ما . انكما تضيعان عليكما فرصا لاتعوض من المتعة اذ ترفضان دعوتي لكما المرة تلو المرة . غيركما من الاسبان يتمنى أن أدعوه على كأس ويسكي واحد وأنتما هات يا شاي و هات يا قهوة . ان صداقتكما غير مكلفة أبدا ، بل تكاد تكون مجانا

كان يعتاد أن يقول لنا هذه العبارة وهو يغالب ضحكه ، وكل من في القهوة مستمع لكلامه الذي كان ينطلق بصوت عال وصاخب ، كعادة الاسبان في المقاهي

وكان ميغيل اذا ما أنتهى من الحديث عن سيغوفيا وما حصل بها أثناء غيابنا شرع في سؤالنا عن أحوالنا وعن الحالة في مدريد واشبيلية ، وعن البلاد العربية ، حتى اذا ما بدأ أحدنا بالاجابة على اسئلته انطلق هو بنفسه ليجيب عليها . فكان يسارع الى صب جام غضبه على مدريد وشعبها وكثرة سياراتها وتلوث هوائها ثم على اشبيلية وحرها اللاهب وضيق شوارعها وكثرة لصوصها . ثم بعد ذلك كان يتناول الحالة في البلاد العربية ، التي لم يزرها في حياته ويتطوع بدلا منا لندب حظ العرب بحكامهم وللتأكيد لنا ، وكأنه لاعلم لنا بذلك ، أن العرب لولا حكامهم لهزموا اسرائيل منذ البداية . وكان ميغيل في ذروة حماسه العروبي يرفع عقيرته مؤكدا لنا ولكل رواد المقهى ولزوجته وابنتيه أن العرب هم أعظم شعوب العالم تاريخا وأنكدهم حاضرا ، وأننا ، أنا ويوسف ، أعظم العرب نكدا لاصرارنا على عدم الشرب وعدم أكل شرائح فخذ الخنزير المقدد الذي كان يقدمه لنا كأفخر ما تنطوي عليه جدران مقهاه فنعتذر له مرددين دوما : - ولكن يا ميغيل ألا تذكر أننا لا نأكل لحم الخنزير ؟

وتهب ابنتاه لتنبهاه من جديد، وسط اهتمام معظم الزبائن المحملقين بنا نحن العربيين الرافضين لطبق من شرائح فخذ الخنزير لا يرفضه اسباني واحد من جنوب البلاد الى شمالها مهما بلغ من البلاهة ، الى أننا مسلمون والى أن المسلمين لا يأكلون لحم الخنزير. كان حديث ميغيل لا يمل أبدا وكان منطقه المرح يتدفق بالكلمات الجريئة والجمل الفكاهية والتشبيهات المضحكة والتعابير الطريفة التي تزدحم بها اللغة الاسبانية بشكل تكاد لا تجاريها فيه لغة أخرى

كنت ويوسف نحث الخط نحو المقهى بشوق حقيقي لجلسة طويلة وممتعة مع ميغيل وعائلته . وقلت ليوسف أثناء اقترابنا من المحل ونحن نواصل تذاكر أحاديث ميغيل : - وعندما ينتهي من كلامه فانه يجفف العرق المتصبب من جبينه ويرشقنا بنظرة ذات معنى مشيرا برأسه نحو ابنتيه وهما لاتفارقان مصطبة المقهى تملآن اقداح الزبائن وتخدمانهم ، بمساعدة الأم التي تلازم المطبخ طيلة نهارها ، بينما تستمعان معنا الى حديث أبيهما وتشاركانا الضحك وأحيانا الكلام ، ثم يقول :- هيه ؟ ماذا تقولان ؟ متى تتم الخطوبة ياعرب ؟ أين ستجدان أفضل من كارمن ولوليتا أيها الأبلهين ؟

وتابع يوسف تذكر ذلك الموقف الذي تكرر عدة مرات فقال : - وكانت ابنتاه تتورد خدودهما خجلا عند سماع هذه العبارات من ابيهما وتنظران الينا ضاحكتين بينما ننظر اليهما بدورنا ونقول صاخبين كأنما بصوت واحد : - ألا ترى الشيب وقد بدأ يتسلل الى رؤوسنا يا ميغيل ؟ ابحث لهن عن خطاب شباب . ثم ما الذي يضطرك الى تأبيد علاقتك برجلين نكدين لا يشربان الخمر ولا يأكلان لحم الخنزير؟

وقلت ليوسف بلهجة جادة : الشئ الوحيد الذي يزعجني في هذا الرجل هو عدم غيرته على زوجته وابنتيه . انني ألاحظ بعض رواد المقهى كيف يتحرشون بهن وكيف يرمقوهن بوقاحة على مرآى منه

معك حق . أحيانا اعتقد أنني أغار عليهن أكثر من ميغيل ، فلا تنسى أننا نعرف البنتين مذ كانتا صغيرتين في نحو الرابعة عشر من العمر

ووصلنا الى المقهى . وكم كان عجبنا كبيرا . فـلم تكن هناك ثمة مقاعد ولا طاولات تحت السنديانتين الضخمتين اللتين تنتصبان أمام بابه ، حيث كنا نعتاد الجلوس مع ميغيل وعائلته في ساعات الليل المتأخرة وقد خلا المقهى من الرواد ، ننعم بالنسمات العليلة ونطرب لحفيف أوراق الشجرتين المتمايلة مع النسيم . ومما ازددنا له عجبا أن باب المقهى كان مغلقا والصمت مخيم على المكان كما لو كان مقبرة مهجورة . ونظر كل منا لصاحبه وقد انتابنا شعور كأنه خوف مفاجئ وضع نهاية لحديثنا المرح الذي بدأ بوصولي الى محطة القطار صباحا

وسارع يوسف ليقول كأنما ليطرد هذا الشعـور : - لربما أصبح العم ميغيل يقلد مقاهي مدريد فيغلق محله يوما من أيام الاسبوع أو شهرا كاملا من أشهر الصيف

ولكنني قلت له مشيرا إلى باب المقهى : - إن الغـبار يغـطي الباب والقفل ، وهذا يعـني أن المقهى مغلق منذ مدة طويلة

واتكأتُ على جذع إحدى السنديانتين وقـد أُسقِـط في يدي بينما اتكأ يوسف على جذع الشجرة الأخرى وقد تملكته الحيرة أيضا . كان شوقنا كبيرا للقيا ميغـيل مما جعل شعـورنا بالإحباط كبيرا أيضا في تلك اللحظات التي تملكتنا بها الحيرة وألجم لساننا العجب . وساد الصمت بيننا ونحن ننقل نظرنا ذات اليمين وذات الشمال لعلنا نعثر على شيء نهتدي به الى سر إقفال المقهى وخلوِّه من أصحابه

كانت الشمس مازالت في عنفوانها في تلك الساعة من المساء لكن النسمات الرقيقة كانت تنساب تحت الشجرتين كعادتها فكأنها تقطن هناك دوما . وتكلم يوسف من جديد فقال : - إن أردت الصراحة يا عـماد فإنني لا أخفي عليك قلقي على ميغـيل وعائلته

فنظرت إليه واجما لا أرُد ، فوجدته مُطرقا الى الأرض يحرك حجرا صغـيرا بمقدمة حذائه . وساد الصمت من جديد ونحن لا نتحرك من مكاننا ولا نفارقه كأننا ننتظر أن يحدث شيء ينتشلنا مما كنا فيه من حيرة

ولكننا سرعان ما أدركنا أن بقاءنا هناك لا يفيد شيئا فـفارقنا مكاننا صامتين وشرعنا عائدين من حيث أتينا . ولكن ما أن ابتعـدنا بضعة أمتار حتى سمعـنا صوتا ينادي : - هيه ... ماذا تريدون ... أتريدون شيئا ؟. والتفتنا الى مصدر الصوت فـوجدنا رجلا مسنا يقف على شرفة منزل فوق المقهى ويلوح لنا بيده ، فصرخت به وقد انفرجت أساريرنا إذ تذكرنا عند رؤيته أن منزل عائلة ميغـيل يوجد فوق المقهى: - مساء الخير أيها الجد . أين أصحاب المقهى؟

فردّ الرجل بهدوء : - إنني أسمعـك جيدا ، لا داعي لهذا الضجيج . ماذا تريد ؟

فـضقتُ به ذِرعا وسألته بجفاف : - من أنت ؟ نحن أصدقاء ميغيل

فرد متأففا ومتهكما في آن واحد : - أصدقاء ميغيل ...أصدقاء ميغيل

وصمتَ للحظات قبل أن يستطرد قائلا : - انني أبوه ... نعم أنا والد ميغيل

وصمت الشيخ من جديد بينما تبادلتُ مع يوسف نظرة ارتياح لعـثورنا على من يكشف لنا عن السر الذي حيّرنا . وإذ بيوسف يقول لي وقد نفذ صبره من العجوز : - أسنظل واقـفين تحت الشرفة كالبلهاء ؟ إذا انتظرنا حتى يخبرنا بما جرى فـلربما يموت قبل أن نعـرف منه شيئا

وصرخ يوسف بالشيخ : - نحن اصدقاؤه أيها الجد ، ولم نره منذ العام الماضي . لقد حـضرنا إلى سيغـوفيا لمقابلته فأين هو ؟

وإذ بنا نرى امرأة تخرج الى الشرفة وتقـول للشيخ كلاما لم نسمعه ، فرد الشيخ عليها بكل هدوء بأننا نسأل عن ميغـيل . فنظرت السيدة إلينا مليا فعـرفتها للتو وهتفـتُ بيوسف : - إنها زوجة ميغيل، أليس كذلك ؟ إنها كايـّتانا

وارتسمت ابتسامة على شفتي المرأة وقد عرفتنا و قالت ترحب بنا بصوت عال : - إصعدا ، إصعـدا ، ماذا تفعـلان في الشارع ؟ ثم وجهت نظرة تأنيب للشيخ هازة رأسها علامة على استنكارها من تصرفه ، فهتف بها الرجل : - لا تنظري إليّ هـكذا ... كـنت على وشك أن أدعوهما للصعـود

وصعدنا درجا ضيقا دون ان نتبادل كلمة واحدة ، فقد كان تفكيرنا كله منصب على السر الكامن وراء اغلاق المحل . ووجدنا السيدة كايـّتانا زوجة ميغـيل تـنتظر على باب بيتها بالترحاب، و تعـمدتُ عندما صافـحتها أن أتعـمق في عـينيها مستعـجلا استشفاف الحقيقة، فوجدتُ فيهما حزنا لم أره من قـبل . حزنٌ صارت له جذور وكأنما قد مرت عـليه سنين مقيما في قـلبها . وشعرتُ بيد قـوية تعتصر قلبي وتلاشت ابتسامتي ونحن ندخل المنزل حيث كان الشيخ جالسا في غرفة استقبال متواضعة . وتبادلت نظرة مع يوسف فوجدته في حالة من التجهم وكأننا بصدد تقديم عزاء

وما هي الا للحظات حتى كان أربعـتنا جالسين نتبادل النظرات بصمت سرعان ما قطعـته السيدة كايتانا متحدثة للشيخ : - ألا تذكرهـما أيها الجد ؟ لقد رأيتهما في المقهى عـدة مرات

وردد العجوز وهو لا يحول نظره عـنا : - الذاكرة لا تسعـفني . ولكن مرحبا بكما

وابتسمنا له شاكرين ، ولكننا كنا على أحر من الجمر لمعرفة ماجرى لميغيل ومقهاه . ولم يطق يوسف صبرا فسأل المرأة بدون تردد : وميغـيل ؟ أين هو ؟

ولاحظت اطراق الشيخ بينما سقطت الابتسامة التي كانت آثارها ما زالت عالقة بشفتي كايـّتانا وهي تقول بحزم : - في السجن

وبهرنا الجواب ...بهرنا لقصره ولفحواه . ولم يكن من الصعب ادراك أن كايتانا كانت تثق بنا وكانت تريد أن تطلعنا على الحقيقة بدون تلفيق . والواقع أنني كنت أتوقع خبرا أكثر مرارة من الذي سمعته منها . وبدا لي أن يوسف قد تـنبه من صدمة الخبر بسرعة إذ عاد فسألها بعـد لحظة : - وماذا فعل حتى يُزجُ به في السجن ؟ لقد عهدناه رجلا مسالما و مستقيما !

وظلت المرأة صامتة ولاحظتُ أنها كانت تغالب دموعها فأوجـستُ خيفة ، وتذكرتُ ابنتيْها فسألـتـُها عـنهما دون سابق تفكير ، محاولا انقاذ الموقف ، فإذ بي لم افعل سوى أن زدته سوءا حيث أجهـشت المرأة بالبكاء، غـير أنها ما لبثت أن تمالكت نفسها ومسحت دموعها . ونظرت الى يوسف فوجدته وقد امتقع وجهه وهو يرى بكاء كايـّتانا والتجهم الشديد الذي كـسا وجه الشيخ وهو لا ينبسُ بكلمة

- لقد قتلَ رجلا

هكذا جاءنا جوابها اذ تمالكت نفسها لحظة. وشعرتُ بأحشائي تنقبض بشدة من هول ما سمعت، بينما هـمهـم يوسف وهو لا يكاد يصدق ما سمع : - تقولين أنه قتل رجلا ؟ ميغـيل يقـتلُ رجلا ؟ هذا غـير معقـول

ولكنها هزت رأسها علامة الايجاب تأكيدا لكلامها واستطردت تقول: - نعم ، ميغيل ، إنكما تعرفان كم كان مسالما ورحب الصدر، ولكـنه قـَـتلْ

واذ بالشيخ يهتف دون سابق إنذار: - حكـموا عليه بالسجن لخمسة عشر عاما، ولكنه فعل ما كان يتحتم فِعـله

ولاحظت احمرارا طرأ على عـينيّ الشيخ وهو يقاوم دمعه أيضا. وشعرتُ أننا دخلنا البيت لندسّ أصابعنا في جرح أهله. واجـتاحتني رغبة بالنهوض ومغادرة المكان دون الانتظار لسماع أية كلمة أخرى. ولكن ...والفتاتين؟ وهممتُ بسؤال كايتانا عن ابنتيْها ، ولكنّ تواردَ الخواطر بيني وبين يوسف كان على أشدِّه في تلك اللحظات ، فإذ به يسبقني بسؤال الأم عن كارمن ولوليتا، فأجابته السيدة وهي مازالت تقاوم دموعها وتتلعـثم بالكلام : - أرجوكما المعذرة. ولكنني مذ رأيتكما الآن وأنا لا أستطيع مقاومة التفكير بالحال السعيد الذي كانت عليه حياتنا خلال زيارتكما الأخيرة لنا في العام الماضي. كيف تتغـير الحياة من جنة إلى جحيم بهذه السهولة!! كيف تتحول بطرفة عين من أحلا الحلو الى أمرِّ المُرّ ... بلا تحذير ولا مقدمات ... أيا ليت الحياة تعـود الى الوراء سنة واحدة فقـط

وهنا أجهشت المرأة بالبكاء بحرقة من جديد إذ لم تعد قادرة على السيطرة على أعصابها. وتبادلتُ مع يوسف نظرة حيرة وجدتني أقول بعـدها في محاولة للتهوين على تلك السيدة : - الزمان ياسنيورا كايتانا لايعـود الى الوراء ولا لحظة واحدة، فدعي الماضي للماضي وتأملي من المستقبل كل خير بإرادة الله

قلتُ ذلك دون اقتناع، وإذ بالشيخ يهز رأسه بالنفي مسلطا عليّ نظرة معـبرة عن يأسه قبل أن يقول بصوت متحشرج : - الخير كله ذهب مع الماضي ... الماضي هو الخير، أما المستقبل فليس فيه ما يرتجى

فتصدى له يوسف قائلا له بنبرة صارمة : - كل زمن مضى نعتبره أفضل من الزمن الحاضر ومن المستقبل. هذه طبيعة الإنسان أيها الجد. فلربما نقاسي الأمرين حتى إذا ما مرّ زمن المقاساة وطوته السنين التفتنا إليه بشوق وحنين، كما لو كان أسعـد أيامنا ولم نقـدِّر سعادة يومنا الحاضر التي ما كنا لنحلم بها في زمن المعاناة. كل ذلك لا لشيء إلا لأن سنوات الماضي أبعـد عن موتنا من حاضرنا ولأن الماضي زمن طفولة أو شباب أو أحلام . لماذا تقول أن لا أمل في المستقبل؟ اتراك من يقرر مستقبل هذه العائلة أو مستقبل أي انسان آخر أو حتى مستقبلك أنت؟!. لا أحد منا أيها الجد يعرف ما تخبئه لنا الهنيهة المقبلة من خير أو شر

كانت المرأة تستمع ليوسف وقد كفت عن البكاء تماما، وكان كلامه على مايبدو قد وقع عليها برَدا وسلاما. ولاحظ يوسف ارتياحها لحديثه ولكنه كف عن الكلام إذ بدأ يفقد زمام أعصابه إزاء ذلك الشيخ المستسلم الذي كان إما

 تابع في :الأشقر 2

DEJE AQUÍ SU COMENTARIO    (VER COMENTARIOS)


COMPARTIR EN:



    (1)&nb...&tw_p=tweetbutton&url=http://www.arabehispano.net/t3/page3.asp?Id=25718&Rf=41&Rt=2&Np=416&via=Arabe-hispano" style="color:white;" target="_blank">TWITTER

Todos los derechos reservados كافة الحقوق محفوظة - Editor: Saiid Alami محرر الـموقـع: سـعـيـد العـَـلـمي
said@saidalami.com
E-mail: said@saidalami.com