16 مارس 2025
القمة العربية رقم 56 ولا حياة لمن تنادي
القمة العربية الطارئة في الدوحة، وهي القمة الثامنة منذ أكتوبر 2023، وهي أيضا الثانية والخمسون منذ قمة أنشاص في 1946، جاءت في إطار مؤتمر موسّع ضم نحو خمسين دولة من العالمين العربي والإسلامي، عُقد استجابة لنداء قطر إثر العدوان الجوي الإسرائيلي الغاشم وغير المسبوق على العاصمة القطرية، وهو ما أدى بالبعض منا إلى الظن بأنها ستكون مختلفة عن سابقاتها من القمم العربية، والتي تمخضت، جميعها، تمَخُضَ الجبل عن فأر، على ذمة المثل العربي الشهير. لقد جاء البيان الختامي للقمة في منتهى التفاهة، رغم أن بنوده جاءت غزيرة، في سبع صفحات ليس إلا
أما كلمات رؤساء الوفود فتراوحت في فحواها ومحتواها بين المعقول والمشحون والتافه، ولم أر في حياتي (والعبد لله في جعبته أكثر من خمسين سنة في العمل الصحفي المكتوب والمسموع والمرئي) كلمة لرئيس دولة أتفه من التي ألقاها في هذه القمة "الرئيس" السوري أحمد الشرع، والتي لم تتجاوز مدتها الخمسين ثانية
وكنت أعتقد، وطبيعي أن يتشبث الغريق الفلسطيني مثلي بقشة، أن وجود ثلاثين وفدا مسلما غير عربي في المؤتمر سيضفي على القمة قيمة وفعالية طالما افتقرت إليها القمم العربية منذ انعقاد القمة الإعتيادية الأولى في القاهرة في 1964(سبقتها قمتان طارئتان في أنشاص المصرية وفي بيروت بينهما عشر سنين). كما اعتقدنا أن هذه القمة، بحكم أنها إسلامية-عربية، وأنها "طارئة"، لآتية بما لم تستطعه الأوائلُ، على رأي أبو العلاء المعري في "ألا في سبيل المجدِ ما أنا فاعلُ"، لكننا، ويا للأسف، وجدنا أنها لم تكن سوى "حفرة" أخرى، وكنا نسينا أن القمم العربية بدأت في 1946 بقمة طارئة وأن عدد الحُفر العربية الطارئة بلغ حتى عددها اليوم 18 حفرة.
ولقد عجبت من نفسي أشد العجب أن أتأملَ حدوث شيء جديد في هذه القمة بعد أن احتقرت هكذا مؤتمرات منذ سن المراهقة، فأنا القائل، في قصيدتي: أنشودة مشتاق*، التي نشرت لأول مرة في صحيفة (الرسالة) الكويتية في 6 فبراير 1966
كم مؤتمراتٍ قد عُـقِـدت
وقيادات مــنها خــرجـت
تسمِعُـنا أجـملَ ألـحــانِ
تـبعدُ أشــبـاح الأحــزانِ
"قد حررنا بلدَ العربِ"!!
في سـاعاتٍ؟ يا للطربِ!!
هل نسألهم يا إخوانـي
كم زادونا مِن أشجــانِ!؟
وحتى تاريخ نشر هذه القصيدة، 1966، كان في عُهدة المواطن العربي المسكين 3 مؤتمرات نصبْ (عفوا، أقصد: قِمة) إعتيادية، إثنتان في 1964 وثالثة في
1965
إن ما يحدث اليوم من خذلان عربي لفلسطين فاق كل تصور وكل خيال -ومذابح الإبادة في غزة تتكرر يوميا أمام أعين أمة الأربعمائة مليون عربي إضافة للمليار ومائة مليون مسلم كانوا جميعا ممَثلين في قمة الدوحة-ما هو إلا حالة تضخم، فكما تـتضخم البروستاتا عند الرجال، فـتـقض مضاجعهم، تضخّمَ الخِذلان العربي لفلسطين لحدٍّ مذهل، دون أن يقـض مضجع زعـيم عربي واحد ولا شعـب عربي واحد. فقد شهدنا عينات صارخة من هذا الخذلان مراراً وتكراراً في فلسطين ومنذ 1948 وما قبلها، عـندما طاف عبد القادر الحسيني في عدد من الدول العربية يطلب السلاح لتحرير فلسطين من الغزاة الصهاينة والجيش البريطاني المحتل، فلم يتلق منهم سوى الإعتذار تلو الإعتذار. أما دور الجيوش العربية في مسرحية حرب 1948، فمعروف ويندى له الجبين، رغم البطولات التي أحرزتها قوات اللواء الركن العراقي عـمر علي، الذي أجبرته الحكومة العراقية آنذاك على التوقف وعدم مواصلة الزحف باتجاه تل أبيب بعد أن تمكن من طرد قوات كبيرة من الصهاينة من مدينة جنين
ولم تحصد فلسطين من الزعامات والقيادات العربية منذ ثورة 1936-1939 إلا الخذلان، بل والمؤامرات، لذلك كان من السخافة بمكان انتظار أي إنجاز لصالح فلسطين في هذه القمة، التي لم تتعد كونها طقس من طقوس النفاق العربي والإسلامي، فليست دولة قطر من سيحظى بأي دعم عربي جدي حتى لو احتلتها إسرائيل، كما لم تحظ بأي دعم عربي من قبل لبنان في حصار بيروت واحتلال الجنوب، ولا العراق إبان الإحتلال الأمريكي ولا اليمن ولا سوريا ولا ليبيا ولا السودان ولا أي دولة عربية كائنا من كانت، فهذه أمة تنفِّذ بالحرف الواحد مقولة (أكِلتُ يوم أكِل الثور الأبيض) وبكل غـباء وجُبن
ولا أعتقـد البتة أن درس قطر سيجرّ أي فائدة على باقي دول الخليج، فهذه قطر،الحليف المخلص لأمريكا كل الإخلاص، وأكثر من دلّلَ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لحد إهدائه طائرة بقيمة 450 مليون دولار، تقصف بالطائرات وتـنـتهكُ سيادتها بالطول والعرض ويحتقرُ دورها كوسيط دولي رفيع المستوى، رغم كل ما أسدته لأمريكا من خدمات لا تحصى (لاسيما في التفاوض مع طالبان أفغانستان) ولإسرائيل إذ كانت قطر الوسيط الذي أتاح لها استرداد العشرات من محتجزيها لدى حماس في العام الماضي. هل للزعامات العربية (ولا اقول الحكومات فكل دولة عربية يحكمها رجل واحد) أن تفهم، ولو لمدة خمس دقائق، أن درس قطر معناه (كلكم يا عرب، بحكامكم قبل شعوبكم، ومن المحيط إلى الخليج، لا تساوون عند أمريكا ظفر إسرائيل).
إن طوفان الأقصى الفلسطيني، الذي ردّ عليه العرب والمسلمون (باستثناء لبنان البطولة واليمن الجبار وإيران الرجولة) بطوفان من الخذلان والعار، قد أحرز حتى الآن نصراً وصموداً هيهات مثيلهما في التاريخ العربي والإسلامي كله، فالمقاومة الفلسطينية تحارب الجبروت الغربي برمّـته، من أمريكا إلى بريطانيا إلى فرنسا وألمانيا وعشرات الدول الأخرى التي هـبّت أساطيلها وطيرانها الحربي لمساعدة ودعم إسرائيل بكل غال ونفيس، وهروَل رؤساؤها وزعـماؤها ومنذ الثامن من أكتوبر 2023 ليقـبِّـلوا أيادي زعماء صهيون في الكيان المسخ، واضعين كل إمكانياتهم منذ ذلك اليوم في خدمة صهيون، إبتداءاً بالأقمار الإصطناعية وانتهاءاً بأجهزة الإستخبارات والمعلومات، في حين أن هذه المقاومة الفذة لم تتلق مساعدة من أحد في سلاح ولا في زاد منذ ذلك التاريخ، بل تلقت محيطات من الخذلان والجُـبن من أمتها وإخوانها في الدين لم يشهد لهما التاريخ العالمي مثيلا في أي بقعة من بقاع الأرض
ولم يعد يخفى على أحد، لا صديق ولا عدو، أن ما يحدثُ في فلسطين، ورغم أنف الجبناء، هو معجزة بكل معنى الكلمة، ولن يخذل الله مَن منّ عليهم بهذه المعجزة، وإن نصر الله لقريب، "وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم"
أنشودة مشتاق: من ديوان (سنابل الشرر) عمان، 2009 *
=============================